أحمد بن محمد المقري التلمساني
149
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وكنت أحسب أني لا أضيق به * ذرعا فما حان حتى فتّ في عضدي ثم استمرّت على كره مريرته * فكاد يفرق بين الروح والجسد عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي * فليس لي مهجة تقوى على الكمد ثم قال : حسبك ، وإن كلفتني زيادة فاللّه حسبك ، فقلت له : قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم ، فباللّه إلّا ما زدتني ، وأكببت لأقبّل رجليه ، فضمّهما وأنشد : [ المجتث ] للّه من قال لمّا * شكوت فيه نحولي أمّا السبيل لوصل * فما له من وصول فقلت حسبي التماح * بحسن وجه جميل وجه تلوح عليه * علامة للقبول فقال دعني فهذا * تعرّض للفضول فقلت عاتب وخاطب * بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب ، وبسط أنسي ، وكتبت كلّ ما أنشدني ، ثم قلت له : لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتى لا تجد ما تنشد ، فقال : إن عدت إن شاء اللّه تعالى إلى هنا تذكرت ، وأنشدتك ، فما عندي ممّا أضيفك غير ما سمعته « 1 » ، وما تراه ، ثم قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حسا من دقيق وكسور باردة ، فجعل يفتّ فيها ، ثم أشار إليّ أن أشرب ، فشربت ، ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها ، ثم قال لي : هذا غذاء عمّك نهاره ، وإنه لنعمة من اللّه تعالى أستديم بشكرها اتّصالها ، قال : فقلت له : يا عمّ ، ومن أين عيشك ؟ فقال : يا بني ، عيشتي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به ، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد به « 2 » معونة ، وهذا مع العافية والاستغناء عن الناس خير كثير ، جعلنا اللّه تعالى ممّن يلقاه على حالة يرضاها ، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة ! قال : فتركته وقمت وفي نيّتي أن أعود إلى زيارته ، ونويت أن يكون ذلك بعد أيام خوف التثقيل ، فعدت إليه بعد ثلاثة أيام ، فنقرت الباب ، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر الحزن ، وقالت : إنّ الشيخ خرج إلى الغزو ، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم ، ناله كالجنون ، فقلت له : ما شأنك ؟ فقال : إني « 3 » أريد أن أموت شهيدا في الغزو ، وهؤلاء جيران لي قد
--> ( 1 ) في ب ، ه : « غير ما سمعت » . ( 2 ) في ب ، ه : « ما نجد فيه معونة » . ( 3 ) في ب : « فقال : أريد أن أموت شهيدا » .